تسليط الضوء على واقع الفقر من منظور التنمية البشرية

تسليط الضوء على واقع الفقر من منظور التنمية البشرية

بحث عن الفقر

 

ملخص

تهدف هذه الورقة البحثية إلى تسليط الضوء على واقع الفقر من منظور التنمية البشرية ومن خلال معالجة الفقر لتوضيح العلاقة بين عدة مقاييس للفقر ومستوياتها المختلفة وتأثيرها على التنمية البشرية ، حيث أن الفقر هو إلى حد كبير ذات واقع تاريخي واجتماعي  من حيث  الخلفية  الجغرافية والفقر ظاهرة نسبية معقدة ومتعددة الأوجه تتطور محليًا وعالميًا. حتى وقت قريب ، ركزت الأدبيات المتعلقة بالفقر على المظاهر المادية للمشكلة ، وأبرزها المؤشرات مثل دخل الفرد ، والتفاوتات في الدخل ، وخطوط الفقر المرتبطة بالدخل على هذا الأساس ، تم اقتراح النظريات والحلول للجوانب المادية للظاهرة التي تجعل العديد من البلدان تواجه نموًا اقتصاديًا طويل الأجل ، ومع تطور السياسة والاقتصاد العالميين بعد الحرب العالمية الثانية ، حاولت حل مشكلة الفقر ذات الأبعاد المتمثلة في الأسباب والحلول المفاهيمية للظواهر حيث تركز على الجوانب غير المادية لعدة مؤشرات للإنجاز الدولي على الصعيد الإنساني والاجتماعي والثقافي .

 اضغط هنا وانضم إلينا و أربح المال معنا 

Summary

This research paper aims to shed light on the reality of poverty through a human development vision and to show the relationship between them, by solving several measures of poverty and its different degrees and the extent of its impact on human development, as poverty is a highly complex and multifaceted relative phenomenon that grows in a historical - societal context - Geographically within a local and global time at the same time, and until recently, the literature on poverty focused on the physical manifestations of the problem, the most prominent of which are the indicators of the average per capita income, the income gap, and the income-related poverty lines. On its basis, theories and solutions were built that focused on the material aspects of the phenomenon, which caused many countries The developing world is facing chronic economic and social problems. As a result of the political and economic developments that the world witnessed after the Second World War, its transition occurred in addressing poverty at the level of concepts, causes and solutions, as it gave important weights to the non-material aspects of this phenomenon, the latest of which was the adoption of the United Nations Development Program The sustainable human development curriculum, which measures international indicators of achievement in many human dimensions related to health, education, standard of living and development. A social and culture.

 

بحث عن الفقر
بحث عن الفقر

 

 

المقدمة :-

الفقر ظاهرة اجتماعية خطيرة ذات أبعاد متعددة وثيقة الصلة ترتبط ارتباطا وثيقا بتطور مختلف المجالات مثل الاقتصاد والصحة والتعليم وحتى البيئة وكأحد التهديدات الحقيقية للاقتصاد العالمي والأمن والاستقرار الاجتماعي ، حظيت هذه الظاهرة باهتمام كبير من المجتمع الدولي ، والذي ينعكس في خطط بعض الدول وسعت المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي والأمم المتحدة دائمًا إلى القضاء على الفقر أو على الأقل الحد منه من خلال برامجها في مجال التنمية ، من خلال التأكيد على التنمية البشرية كمفهوم إنمائي جديد يدور حول تطوير الموارد حقوق الإنسان كأحد أهداف التنمية وليس مجرد وسيلة لتحقيقها.

مشكلة البحث :-

على الرغم من تطوير مفاهيم ومقاييس الفقر والتنمية البشرية ، ومن ثم تطوير خرائط وسبل الوصول إليه منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين ، ومن ثم تطوير سياسات وبرامج مكافحته وفقا لتوجيهات ونصائح البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، إلا أن ثمة تفاقماً لظاهرة الفقر ، بمختلف أبعادها ، في غالبية الدول المتخلفة . فهل ثمة علاقة بين تطوير مفاهيم ومقاييس الفقر والتنمية البشرية - كما بلورها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة - وبين حدوث اعوجاج في الفكر التنموي مهد وسوغ لحدوث اعوجاج في سياسات واستراتيجيات التنمية ، التي دمجت بدورها ما بين استراتيجيات الإنتاج والاستثمار والتطوير واستراتيجيات التوزيع ، بما أدي إلى الخروج عليها بالاستجابة للسياسات الاقتصادية الليبرالية التي فصلت عملية التوزيع عن عملية الإنتاج ([1]) ، ومن ثم فاقمت من ظاهرة الفقر ؟ ، كما تتمثل مشكلة الدراسة ، أيضاً ، في أنه على الرغم من أن بعض البلدان المتخلفة قد حققت تقدماً ملموساً في مقاييس التنمية البشرية إلا أن ثمة تفاقماً لظاهرة الفقر المطلق والفقر النسبي معاً.

هدف الدراسة

الوقوف على أسباب ونتائج هذا التناقض بين تطوير مفاهيم ومقاييس الفقر والتنمية البشرية ، وتطوير خرائط وسبل الوصول إليه منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين ، ومن ثم تطوير سياسات وبرامج مكافحته ، وبين تفاقم ظاهرة الفقر ، بمختلف أبعادها ، في غالبية الدول المتخلفة

منهجية الدراسة

استندت إلى المنهج الاستقرائي من خلال تحليل وتتبع البيانات المتعلقة بالفقر والتنمية البشرية ، وإلى المنهج الاستنباطي من خلال تناول مفاهيم ومقاييس الفقر والتنمية البشرية بالنقد والتحليل

 

خطة البحث

المحور الأول : تطور مفاهيم ومقاييس الفقر والتنمية البشرية .

المحور الثاني : مدي انعكاس مفاهيم ومقاييس الفقر والإنماء على استراتيجيات التنمية .

المبحث الأول

تطور مفاهيم ومقاييس الفقر والتنمية البشرية .

في بداية عملية التنمية ركزت مؤشراتها على كل من معدل النمو الاقتصادي ومعدل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ، كمؤشرات لمدي تقدم عملية التنمية . إلا أن هذه المؤشرات هي مجرد مقاييس ومتوسطات كمية لا تعكس بدقة جوهر عملية التنمية التي هي عملية ديناميكية تقوم على إحداث تحولات نوعية وكمية معاً ، أساساً ، وبمعدلات متسارعة ، في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع[2] ، بما يسمح بسيطرة أعمق وأشمل على استخدام الموارد الاقتصادية كمياً وكيفياً ، وبما يسمح بتنويع الناتج القومي نحو مزيد من التمحور حول الذات وتخفيف الاعتماد الكثيف على السوق الخارجي كمحدد لحجم ونمط التراكم الرأسمالي ومن ثم لحجم ونمط الناتج المحلي الإجمالي وقد كانت مفاهيم الفقر ومقاييسه تركز - غالباً - على الأبعاد المادية / الكمية وحدها . ولذلك كان الاهتمام في قياس الفقر ينصب على دراسة البدائل التالية :

(1)   الفقر المطلق : سواء من خلال خط الفقر العالمي أو خط الفقر الوطني . وهو خط يتحدد بشكل تحكمي من خلال تحديد تكلفة حد أدنى من الحاجات الضرورية لاستمرار الفرد على قيد الحياة . ويسمح هذا بتقسيم أفراد المجتمع – من هذه الناحية – إلى فئتين ، فئة تتجاوز هذا الخط ، ولذا لا تدخل هذه الفئة في عداد الفقراء ، وفئة تهبط دون هذا الخط وهي فئة الفقراء . ومن ثم يقاس نجاح التنمية - جزئياً - بمدي مساهمتها في تقدم التنمية البشرية من خلال تقليص عدد أو نسبة الفقراء فقراً مطلقاً . ويلاحظ أن مفهوم الفقر المطلق يتناول جانباً واحداً فقط من الجوائب المختلفة لمتغير الفقر ، وهو ما يسمى فقر الدخل  ولاشك أن مثل هذا التناول – وقد أهمل جوانب أخرى للفقر – قد ركز على سياسات محددة للتخفيف من حدة مشكلة الفقر بمظهرها الكمي.

فقد تم التركيز على سياسات تقريب التفاوت الشديد في الدخول ، وعلى سياسات الدعم المباشر وغير المباشر للسلع الأساسية ومنها الغذاء والمأوى والملبس وسياسات التسعير والتوظيف [3].

 لذلك ، فإن محاولات التخفيف من حدة الفقر بناءً على هذا المفهوم وقياس الفقر تتطلب سياسات تدخل أعمق من قبل الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.[4]

من غذاء و مأوي وملبس ، وكذلك على سياسات التسعير ، وسياسات التوظيف ([5]) . ومن ثم فان محاولة التخفيف من مشكلة الفقر اعتماداً على هذا المفهوم ، وهذا القياس للفقر ، كان يتطلب من الدولة سياسات تدخلية أكثراً عمقاً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية و يعد مؤشر نسبة الفقراء مقياساً لمدى انتشار فقر ما يسمى بفقر الدخل .

 أنه مؤشر يشير إلى نسبة الأفراد الفقراء أو الأسر الفقيرة – كما تم تعريفها بواسطة خط الفقر - كنسبة من إجمالي السكان. إلا أن هذا المقياس ، على أية حال ، غير حساس لتوزيع الفقراء تحت خط الفقر. وقد تم تفادي هذا القصور بواسطة المؤشرين التاليين ([6]) :

 

تسليط الضوء على واقع الفقر من منظور التنمية البشرية
تسليط الضوء على واقع الفقر من منظور التنمية البشرية

 

 

أ - مؤشر فجوة الفقر : و يعد مقياسا لعمق الفقر ، وهو الفجوة بين مستويات الإنفاق الملاحظة للأسر الفقيرة وخط الفقر. وبافتراض أهداف مثلي ، فإن مؤشر فجوة الفقر يشير إلى حجم الموارد "التحويلات" المطلوبة لرفع مستويات إنفاق الأسر الفقيرة فوق خط الفقر ب - مؤشر حدة الفقر - وهو يقيس درجة عدم المساواة في التوزيع تحت خط الفقر - وهو مؤشر يعطى وزناً أكبر للأسر التي تأتي في قاع توزيع الدخل "أو الإنفاق". ولتوضيح ما سبق افترض أن – كنتيجة لتغير السياسات - 10% من الدخل أعيد توزيعها من أسرة فقيرة يضعها دخلها ضمن 30% تحت خط الفقر إلى أسرة تقع ضمن 50% تحت خط الفقر. أن مؤشر عدد الأفراد الفقراء في هذه الحالة لن يتغير حيث أن حجم إعادة التوزيع لا يسمح لأي من الأسرتين للصعود فوق خط الفقر، كما أن مؤشر فجوة الفقر لن يتغير أيضا على اعتبار ان إعادة التوزيع حدثت في مستويات تحت خط الفقر. إلا أن أثر سياسة إعادة التوزيع هذه سيقاس بواسطة مؤشر حدة الفقر ، حيث أن مركز الأسرة الأقل مستوى في التوزيع سوف يتحسن. ويلاحظ أن ([7]) المقياس الشائع الحالي للفقر المطلق للأشخاص الذين يعيشون على أقل من 1.25 دولار يوميا بتعادل القوة الشرائية ، هو متوسط خط الفقر بين أفقر 15 بلداً في العالم وهناك أيضاً خطوط أخرى لقياس الفقر المقاس بالنقود من خلال تقييم فقر الدخل على المستويين الوطني ودون الوطني الافتراض الأساسي الضمني هو أن الدخل وحده يجسد كلاً من العوامل المباشرة وغير المباشرة التي تؤثر في القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية . بيد أن خطوط الفقر التي تقاس بالنقود وحدها هي مقاييس غير كافية بالفعل لقياس الفقر . فما هو المعنى الفعلي للحد من الفقر المدقع في حيز الدخل بمقدار النصف إذا كان ثلثا سكان العالم يعانون الفقر المدقع المتعدد الأبعاد ؟ في الواقع، فقد أضر البنك الدولي بمفهوم الفقر باختزاله في 1.25 دولار أميركي في اليوم بتعادل القوة الشرائية ويشكك الكثير من الخبراء الاقتصاديين في مجال التنمية في البعد المتعلق بالدخل، إذ يشتت الانتباه عن العديد من العوامل البشرية ذات الصلة بشكل خاص، هناك مشكلة في مفهوم فقر الدخل الأحادي البعد تتعلق بالسلع الخاصة والسلع العامة ، فتوافر المال لا يعني بالضرورة أن الناس لديهم إمكان الحصول على السلع العامة والخاصة التي يحتاجون إليها ، وعلى العكس من ذلك، عدم توافر المال لا يعني بالضرورة أن الناس ليس لديهم إمكان الحصول على السلع العامة والخاصة التي يحتاجون إليها .ويمكن أن يكون الشخص فوق خط فقر الدخل لكنه يعيش في منطقة ريفية أو في حي فقير من العشوائيات في الحضر بحيث يصبح من الصعب عليه إرسال الأطفال إلى المدرسة أو يعاني هؤلاء من أشكال الحرمان المهمة لنمو الطفل مثل الحصول على المياه الصالحة للشرب والوصول إلى مرافق صحية آمنة .

 

ويشير هذا إلى أن " الفقر المدقع متعدد الأبعاد المتعلق بغير الدخل ، والقضاء على فقر الدخل المدقع على هذا النحو قدلا يكون كافيا للقضاء على الفقر المدقع متعدد الأبعاد . ويلاحظ أنه من خصائص مقاييس فقر الدخل والفقر المتعدد الأبعاد أنها لا تتحرك معا وإلا كان واحد منها زائدا عن الحاجة . كما لوحظ وجود عدم تطابق بانتظام بين فقر الدخل والفقر المتعدد الأبعاد .ووفقاً للنتائج التجريبية لدليل الفقر المتعدد الأبعاد العالمي لعام 2013 ، يعيش 1.7 مليار شخص في الفقر المتعدد الأبعاد في 104 بلدان مقارنة مع 1.4 مليار شخص في تلك البلدان يقدر أنهم يعيشون على 1.25 دولار أميركي أو أقل في اليوم بتعادل القوة الشرائية هو الحيز.

( 2 ) الفقر النسبي : وهو نوع من الفقر ينتج عن سوء توزيع الدخل بين الفئات الاجتماعية ، حتي وإن لم يكن هناك فقر مطلق ، ويستخدم منحنى لورنز ومعامل جيني في قياس هذا النوع من الفقر . كما يستخدم أيضاً معامل كوزنتز في قياس الفقر النسبي . و قد يعرف خط الفقر النسبي من خلال نسبة من المتوسط القومي للدخل . أي نسبة السكان الذين يحصلون على دخل أقل من الدخل المتوسط

( 3 ) الفقر والاستبعاد والتهميش : ويدل على وصف حالة تحول دون مشاركة الفقير في المجتمع لأنه غير قادر على الظهور في مظهر مقبول اجتماعيا، مما يؤدي إلى استبعاده وتهميشه أو إقصائه اجتماعيا ، وهو ما يزيد من درجة فقره ، ومن ثم من درجة تهميشه .... وهكذا في شكل حلقة مفرغة .[8]

( 4 ) الفقر والهشاشة والتعرض: ويشير إلى حالة فئات من السكان الذين لا يعتبرون فقراءاً بحسب قياسات الفقر المتبعة ولكنهم معرضون للوقوع في الفقر في حال تعرضهم لصدمة معينة، أي أنهم يعيشون مباشرة فوق خط الفقر ولا يملكون احتياطيا كافيا من الموارد أو القدرات التي تسمح لهم باستيعاب الصدمات الاقتصادية العامة أو الخاصة أو الطبيعية أو الاجتماعية أو الصحية، مما يؤدي إلى تدهور محسوس في مستوى معيشتهم إلى ما دون خط الفقر. بيد أنه بداية من تسعينيات القرن العشرين – وبما يصاحب تطبيق غالبية البلدان المتخلفة لبرامج التحول من استراتيجيات التنمية – أخذ البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في طرح مفاهيم ومقاييس جديدة ، منها ما يسمى بالتنمية البشرية ، مع طرحه لمؤشر أو دليل التنمية البشرية ، ومنها ما يسمى بالفقر متعدد الأبعاد ، مع طرحه لمؤشر أو دليل الفقر البشري ( 1 ) ، دليل الفقر البشرى ( 2 ) ، ودليل الفقر متعدد الأبعاد لألكير وفوستر . وهي اطروحات غيرت من مفاهيم الفقر والتنمية . ومن ثم غيرت من أهمية الأولويات في سلم استراتيجيات وسياسات التنمية ، بل و في منهج الإنماء ( والتنمية ) . وسوف نتبين ذلك في الفصل الثاني من هذه الدراسة . أما الآن فسنتناول بعض هذه المفاهيم والمقاييس .

( 5 ) دليل التنمية البشرية : يقصد بالتنمية البشرية - من منظور البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة - توسيع الخيارات والفرص أمام الأفراد . ويعد هذا الدليل ملخصاً لقياس التنمية البشرية . إذ يقوم بقياس الإنجازات لبلد ما بالنسبة لثلاثة مقاييس للتنمية البشرية هي : حياة مديدة وصحية ، وتقاس بالعمر المتوقع عند الميلاد. 

المعرفة : وتقاس بنسبة القرأة والكتابة بين البالغين بوزن نسبي ( 3/2 ) ، ونسبة القيد في التعليم العام والعالي بوزن نسبي ( 3/1 ) . - مستوى معيشة لائق : ويقاس بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي .

 ( 6 ) دليل التنمية البشرية المعدل بعدم المساواة : يقيس هذا الدليل التنمية البشرية بعد استبعاد معامل عدم المساواة بالنسبة لكل بعد من الأبعاد الثلاثة التي يتكون منها دليل التنمية البشرية . ومن ثم يأخذ في الاعتبار مدي التفاوت في توزيع كل من الخدمات الصحية والتعليمية وتوزيع الدخل بين أفراد المجتمع .

 ( 7 ) دليل التنمية البشرية الجديد( N HDI) : ويعد تطويراً لدليل التنمية البشرية (HDI ) الذي ظل معمولاً به حتى نهاية عام ( 2010 ) . ومن أبرز التعديلات التي جاء بها المقياس الجديد ، أنه تم إحلال :

( أ ) القيم المشاهدة الدنيا محل القيم المعيارية .

 ( ب ) القيمة العظمي المتوقعة للدخل في دولة القياس محل الدخل المشاهد في دولة مثلي .

 ( جـ ) متوسط سنوات الالتحاق بالمدرسة محل معدل تعلم القراءة والكتابة .

 ( د ) متوسط سنوات الالتحاق المتوقع بالمدرسة محل نسبة الالتحاق الفعلية

 ( هـ ) طريقة الوسط الهندسي محل طريقة الوسط الحسابي في تقدير مؤشر التنمية البشرية الجديد . (2010).  

 

بحث عن الفقر
بحث عن الفقر

 

 

( 8) دليل الفقر البشري ( 1 ) : الذي يعده وينشره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنويا في تقرير التنمية البشرية يشكل المثال الأكثر انتشارا على تعريف وقياس الفقر وأن الأبعاد المكونة للفقر البشري تتمثل في الحرمان من الأبعاد الثلاثة التي يتكون منها دليل التنمية البشرية وهي الصحة، والتعليم، ومستوى المعيشة([9])

 - حياة مديدة وصحية بعمر متوقع عند الميلاد يساوي ( 40 ) عاماً .

 - المعرفة : الحرمان من القرأة والكتابة بين البالغين .

- مستوى معيشي لائق : والذي يقاس بنسبة السكان الذين يفتقرون إلى الحصول علي مياه صحية وبنسبة الأطفال دون الوزن الطبيعي ويقيس هذا الدليل مستوى الحرمان من الأبعاد الثلاثة لدليل التنمية البشرية للبلدان النامية .

 ويلاحظ أن أهم نقاط الضعف في دليل الفقر البشري ( 1 ) تكمن في قياس مستوى الحرمان على مستوى البلد أو منطقة جغرافية معينة وليس على مستوى الأسر نفسها أو الأفراد، وهذا يتناقض مع مفهوم الفقر الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالأسرة والأفراد. وإذا كانت التنمية البشرية هي أمر يتعلق بتوسيع نطاق الخيارات ، فإن الفقر البشري يعني انعدام الفرص والخيارات ذات الأهمية الأساسية للتنمية البشرية وهي العيش حياة طويلة في صحة وإبداع ، والتمتع بمستوى معيشة وبالحرية ، والكرامة واحترام الذات، وكذلك ، احترام الآخرين وتعكس المقارنة بين التنمية البشرية والفقر البشرى أسلوبين مختلفين لتقييم التنميـة . وأحد هذين الأسلوبين هو " المنظور الاندماجي" ، وهو يركز على أوجه التقدم التي يحققها المجتمع ككل من أغنياء ، و فقراء هذا الأسلوب من وجهة نظر بديلة تتمثل في " المنظور الحرماني " المنظور الذي يتم بموجبه الحكم على التنمية من، الطريقة يحيى بها الفقراء والمحرومون في المجتمع.[10]

(9) فقر القدرات : والذي يقيس الفقر على أنه حالة حرمان من القدرات الأساسية ، وليس فقط مجرد تدن في مستوى الدخل الذي هو المعيار السائد لتحديد الفقر وعلى الرغم من الصعوبات والتعقيدات المتصلة بتحويل قياس فقر القدرات إلى قياس عملي ، أشارت بعض الدراسات إلى الأساليب استناداً إلى كتاب " التنمية حرية " للمفكر الاقتصادي الهندي أمارتيا صن والصادر عن عالم المعرفة (العدد 303) في عام (2004) ، من أجل قياس الفقر من منظور القدرات :

(أ) الأسلوب المباشر الذي يدرس ويقارن الكميات المطلوبة للأداء الوظيفي أو القدرات .

 (ب) الأسلوب التكميلي الذي يجمع بين فقر الدخل والخصائص الاجتماعية الأخرى.

(جـ ) الأسلوب غير المباشر والذي يجمع بين دخل الأسرة المعدل بحسب بعض الخصائص ذات الصلة بالفقر.

 

(10) دليل الفقر البشري (2):

 يقيس هذا الدليل الحرمان لنفس الأبعاد الواردة بدليل الفقر البشري (1) مع أخذ الاستبعاد الاجتماعي (البطالة في الأجل الطويل في الاعتبار) ([11])

- احتمال الوفاة قبل بلوغ سن الستين.

 - نسبة الأمية الوظيفية لدى البالغين.

- نسبة السكان الذين يعيشون دون مستوى الفقر (50% من الداخل المتاح والمعدل للأسرة) ويقيس هذا الدليل أوجه الحرمان من الأبعاد الثلاثية لدليل التنمية البشرية لمجموعة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومن ثم يراعي هذا الدليل أوجه التفاوت بين مستويات التطور ما بين البلدان النامية والدول المتطورة.

(11) دليل الفقر المتعدد الأبعاد ([12]).

يكون الفقر متعدد الأبعاد عندما يعرف الفقر بعديد من المتغيرات. فقد رأى أمارتياً صن الفائز بجائزة نوبل، في مساهمة رائدة له عام (1976)، أن مشكلة قياس الفقر تتضمن أمرين:

1 – تحديد من هم الفقراء.

2 – تجميع خصائص هؤلاء الفقراء في مؤشر عام يحدد مدى الفقر (شدة أو حدة الفقر). ويمكن حل المشكلة الأولى بتعيين حد فاصل يمثل عتبة عدم كفاية الرفاه (الدخل)، أو الإنجاز الاجتماعي (التعليم، والصحة والإسكان والملبس وتوفر السلع العامة وغير ذلك ... ) . ويكون الأشخاص تحت الحد الفاصل فقراء. ثم يحتسب معدلهم للحصول على نسبة وقوع الفقر وشدته. ويشرح سن في كتابة المنشور عام (1999) بعنوان (Development as Freedom التنمية باعتبارها حرية) أن الفقر يعد في الغالب حرمانا من المقدرات، أي من الفرص والموارد التي تمكن الناس من عيش الحياة التي يفضلونها.

وجاءت نقطة تحول أخرى مع نجاح الكير وفوستر (2007) في تقديم دليل الفقر المتعدد الأبعاد من خلال مبادرة أكسفورد للتنمية البشرية والفقر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير التنمية البشرية العالمي (2010) والذي وافق الذكرى السنوية العشرين لصدور تقرير التنمية البشرية ، وجاء بعنوان الثروة الحقيقية للأمم : مسارات إلى التنمية البشرية، وقد حل محل دليل الفقر البشري) HPI (الذي كان يحسب على مستوى الاقتصاد الكلي ، وسبق استخدامه في تقارير التنمية البشرية في أعوام (1997 -2009).

بيد أنه كان يعاني نقاط ضعف عديدة ، ولا سيما عدم قدرته على تحديد الأشخاص الذين يعانون صوراً متعددة من الحرمان في وقت واحد. وبالفعل أصبحت منهجية الكير وفوستر المتعلقة بدليل الفقر المتعدد الأبعاد تقليداً مستخدماً في البحوث ودفعت إلى الأمام الحدود في القياس والتحليل الغني للسياسات والمناقشات إلى حد كبير. ويجري تفعيل الابتكارات في قياسات الحرمان البشري للحفاظ على دقة القياس مقابل ما هو قائم على أرض الواقع وعلى تحديثه قدر المستطاع. لقد دعم تقرير التنمية البشرية العالمي لعام (2011) بعنوان الاستدامة (التنمية المستدامة) والإنصاف (العدالة) مستقبل أفضل لجميع نتائج دليل الفقر المتعدد الأبعاد العالمي مع المزيد من البيانات العملية وطريقة جديدة للتفكير في الفقر وقياسه والسياسات التي تم تحديدها على الصعيدين الوطني العالمي.[13]

وفي تقرير التنمية البشرية لعام (2013) بعنوان نهضة الجنوب: تقدم بشري في عالم متنوع، قدمت مبادرة أكسفورد للتنمية البشرية والفقر بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مقاييس جديدة للتعرض للفقر المتعدد الأبعاد وشدته وحللت الابتكارات في السياسات الاجتماعية الناجحة وبرامج مكافحة الفقر التي يحتذى بها الآن في جميع أنحاء العالم ، مثل تجربة كل من المكسيك وكولومبيا والبرازيل في مكافحة الفقر.

المبحث الثاني

مدي انعكاس مفاهيم ومقاييس الفقر والإنماء على استراتيجيات التنمية

أسلفنا أن مشكلة الدراسة تتمثل في أنه على الرغم من تطوير مفاهيم ومقايسس الفقر ، وتطوير خرائط وسبل الوصول إليه منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين ، ومن ثم تطوير سياسات وبرامج مكافحته ، إلا ثمة تفاقماً لظاهرة الفقر ، بمختلف أبعادها ، في غالبية الدول المتخلفة ، قد رفق هذا التطوير . فهل ثمة علاقة بين تطوير مفاهيم ومقاييس الفقر وبين حدوث اعوجاج في سياسات واستراتيجيات التنمية التي دمجت مـا بين استراتيجيات الإنتاج والاستثمار والتطوير واستراتيجيات التوزيع ، بما أدي إلى الخروج عليها والاستجابة للسياسات الاقتصادية الليبرالية التي فصلت عملية التوزيع عن عملية الإنتاج ؟ . لاشك أن تطوير مفاهيم ومقاييس الفقر – في إطار البرنامج الإنمائي للأمم المتحد - لم تكن نتاج نشاط عفوي ، او نتاج عمل يستهدف استئصال لظاهرة الفقر أو التخفيف منها في البلدان المتخلفة . فقد دأبت كثير من المنظمات الاقتصادية الدولية على إجبار غالبية البلدان النامية على التخلي عن استراتيجيات التنمية وعلى تبني السياسات الاقتصادية الليبرالية ، وهي سياسات ثبت تاريخيا أنها فاقمت من ظاهرة الفقر والتعرض والاستبعاد في غالبية هذه البلدان التي انخرطت مرة أخرى - إثر تبنيها لهذه السياسات – في الاقتصاد العالمي .

 

مدي انعكاس مفاهيم ومقاييس الفقر والإنماء على استراتيجيات التنمية
مدي انعكاس مفاهيم ومقاييس الفقر والإنماء على استراتيجيات التنمية

 

 

 

فالتوصيات التي يتقدم بها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة لمكافحة الفقر إنما تلتقي مع وتوصل للسياسات الاقتصادية الليبرالية التي يفرز تنفيذها – في البلدان المتخلفة – مزيداً من الفقر . فيعرف الفقر - من منظور البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة - بأنه حاله من الحرمان من الحياة اللائقة التي ينبغ أن يعيشها المرء أو المجتمع . فالفقر لا يعني فقط الافتقار إلى ما هو ضـروري للرفـاه المـادي للمـرء ، ولكنه يعني ، أيضا ، الحرمان من الفرص والخيارات ذات الأهمية الأساسية . مثل العيش حياة طويلة يتمتع فيها المرء بالصحة و الإبداع والقدرة على التمتع بمستوى معيشـي لائـق ، وبالحرية والكرامة ، واحترام الذات واحترام الآخرين . و إلى جانب الحرمان المادي ، هناك أوجه أخرى للفقر منها الاعتزال والاغتراب الناجمين عن التهميش والتميز الاجتماعي والسياسي وفقدان القدرة على الاتصال .

ومن الأوجـه الأخرى للفقر ضعف القدرة على مواجهة الصدمات الداخلية ، وكذلك عدم الشعور بالأمان تجاه التعرض للعنف الجسدي المرتبط بانخفاض المستوى الاجتماعي او القدرة البدنية أو

العرق أو الدين. ومن الواضح أن الدخل هو مجرد أحد الخيارات التي يريد أن يحصل عليها النـاس . وإن كان أحد الخيارات الهامة ، و لكنه لا يشكل المجمـوع الكلـي لحياتهم . بالتالي فإن محدودية المتاح من الخيارات والفرص يكون في أحيان كثيرة أوثق صلة بالرفاه من فقر الدخل . ذلك أن محدودية الخيارات والفرص إنما يركز على أسباب الفقـ ر ، ويفضي مباشرة إلى وضع استراتيجيات التمكين و غيرها من إجراءات تعزيز الفـرص وإتاحتهـا للجميع . ويركز مفهوم القدرة على الخيارات التي تتاح للمرء و يستفيد منها الفرد أو قد لا يشاء الاستفادة منها ([14]). هذا هو لب تعريف الفقر من منظور البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، وهذه سياسات وسبل مواجهته والحقيقة أن فقر الدخل هو الذي يجعل الفرص والخيارات محدودة أمام الفقراء . أما الشعور بالاغتراب والتهميش وضعف المشاركة والإبداع فهي مظاهر لفقر الدخل أو نتائج له . ومن ثم فإن تعزير الفرص والخيارات أمام الفقراء ، يستلزم تعزيز فرص التوزيع العادل للدخل والثروة أولا من خلال ما يسمى " التوزيع الأولى للدخل " ثم من خلال التوزيع النهائي للدخل ". وخاصة من خلال تبني نمط للتنمية يفسح المجال أمام نمو فرص العمل المعززة للنمو الذاتي في الأجل الطويل .

كما أن معالجة الفقر - كما يؤكد البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة - من خلال ترويج وتعميم نموذج اقتصادي واجتماعي وسياسي ليبرالي ، لهو تخطي لمسألة علاج الفقر إلى مسائل وقضايا أخري لا تشكل أولويات لعلاجه . فأساس الفقر هو أساس اجتماعي واقتصادي في المقام الأول – اعوجاج في استراتيجية التنمية بما يترتب عليه سوء توزيع للدخل ويتمخض عن وجود فقراء - ، أما ما ينشأ عن الفقر الاقتصادي من سمات نفسية وذهنية واجتماعية وسياسية وأخلاقية ، فهي مجرد مظاهر له فقط. 

ويرى الباحث أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يكرس بشكل واضح مفهوم الوصاية من خلال ما يسميه بمساعدة البلدان في مختلف المجالات التنموية . هذه الوصاية تتمثل فيما يلي ([15]): ( أ ) التحديد القبلي لمجالات التنمية، وهو تحديد لا تستشار فيه الدول ، ولا يراعي الفروق بين حالاتها وخصوصياتها. فالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، هو برنامج إنتقائي يميل لمنهج إنمائي ليبرالي . ومن ثم يكون بذلك قد حدد سلفاً ، ضمنياً ، خيارات النمو الاقتصادي وتخصيص الموارد ، ومن ثم توزيع الدخل . تصريفه من خلال المجالات والمؤشرات المقترحة من قبل البرنامج الإنمائي. مثل تطوير نسبة مساهمة القطاعات الديناميكية في توليد الناتج المحلي ، تخفيض نسبة الفقراء تحت خط الفقر أن التناول النقدي لمفهوم التنمية البشرية كما ورد في تقارير التنمية البشرية - هذه التنمية البشرية التي تعد أساساً للتنمية الشاملة - يتطلب تناول مايلي : الحرية - نقص تمكين المرأة - نقص المعرفة. 3- - المسكوت عنه في تقرير التنمية البشرية. القضية المحورية التي يركز عليها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة هي أن التنمية هي الحرية . إذ تعطي تقارير التنمية البشرية وزناً طاغياً ومبالغا فيه لقضية الحرية باعتبارها كبرى القضايا، وأنها تفوق كل عناصر وأولويات التنمية أهمية . إذ جاء في أحد تقارير التنمية البشرية العربية (باللغة العربية، ص 18)، ما يلي ([16]). 

( ب ) نمطية البرامج والإجراءات المقترحة على الدول "لحل مشاكلها" التنموية . والمتمثلة في تبني نموذج اقتصادي واجتماعي وسياسي ليبرالي ( جـ ) مؤشرات قياس التنمية والتي ستغفل بلا شك أي تحسن في الحالة العامة للدولة لا يتم

1-   الإطار المفاهيمي: مقولة أن «التنمية البشرية هي الحرية.

2-    مدى صلاحية تشخيص «النواقص الأساسية» في مسيرة التنمية البشرية على أنها: نقص

"يفرض الفهم الصحيح لفلسفة التنمية البشرية اعتبار القدرات البشرية ، خاصة الحرية، وليس التمكن من السلع والخدمات عن طريق الدخل، الوسيلة الأساسية لتمكين البشر. ولهذا، فإن استبعاد الدخل من مؤشر التنمية البشرية يمثل فارقا جوهريا مع مقياس التنمية البشرية " . بيد أن هذه المقولة التي تختزل كل شيء في قضية «الحرية» ضرب من ضروب «الطوباوية». فعلى الرغم من أهمية «الحرية» ومحوريتها كضرورة للتقدم البشري . ولكن تلك الصياغة لقضية الحرية هي صياغة متطرفة ، تهمل جوانب مادية مهمة تساعد على ممارسة الحرية، مثل إشباع الحاجات الأساسية، والدخل اللائق الذي يساعد الإنسان على عدم امتهان كرامته وتسول الرزق تسولاً. فثمة ركنان للحرية : الركن السياسي والركن الاجتماعي. ويؤكد «أمارتيا صن» الاقتصادي الهندي المرموق (الحائز على «جائزة نوبل» في الاقتصاد) الذي تم الاستناد إلى كتابه (Development as freedom) ، على مفهوم أكثر ثراء وواقعية أسماه «الحقوق الإنسانية الأساسية في مجال التبادل(Exchange entitlements) «، وحددها على النحو التالي : [17]

(أ) الحق في التوظف.

 (ب) الحق في الحصول على دخل يحقق الحياة الكريمة.

(جـ ) الحق في أن تكون أثمان السلع والخدمات في متناول المستهلك، أيا كان موقعه في خريطة ، توزيع الدخل.

ويلاحظ أن تركيز البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة على اعتبار أن التنمية البشرية هي الحرية - يفترض ضمناً توجها إنمائياً معيناً هو الليبرالية الاقتصادية . كما أن تحجيم مؤشر الدخل وتعظيم الوزن النسبي لعناصر أخري كمحدد لمستوى التنمية البشرية أو لمستوى الحرمان ، إنما يتضمن تهويناً نسبياً من شأن تأثير غياب العدالة في توزيع الدخل على عملية التنمية . فأي حقيقة لها ركنان أساسيان هما : الركن المادي والركن المعنوي . ولا يجب أن يفرط أحدهما على الآخر . كذلك فإن الترويج لأفكار الحرية - بشكل عام – إنما يهيئ أفراد المجتمع لتقبل عمليات اقتصادية تمت إلى تهيئة الوعي الجمعي لقبول توجهات اقتصادية معينة ، مثل عمليات الخصخصة . وتحرير الأسعار ، والأجور ، والصادرات والواردات قبول العمل الحر والمشروعات الفردية لصغيرة . وهو تكيف يمهد لقبول المجتمع للخروج على استراتيجيات التنمية القائمة على الاختيار الجماعي للحاجات العامة الأولي بالإشباع إلى الاختيار الفردي للحاجات الفردية الأولى 

بالإشباع. لذلك نجد أن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة قد أصدر أدلة أخري وأعتبرها أدلة مكملة لأدلة التنمية البشرية . مثل دليل المساوة بين الجنسين ( دليل الجنسانية ) الذي يقوم على دراسة ذات الأبعاد التي يتكون منها دليل التنمية البشرية ، ودليل التمكين للمرأة من حيث الدخل والمساواة المهنية ( الاقتصادية ) والسياسية . بيد أن هذين الدليلين الأخيرين يركزان على شكل ما من أشكال الحرية التي قد تتنافي مع ثقافات وعادات وتقاليد بعض الشعوب . أما على صعيد التناول الفني لأدلة التنمية البشرية والفقر البشري ( 1 ) والفقر المتعدد الأبعاد، ودليل التنمية البشرية المعدل بعدم المساواة ، فإن الباحث يرى أن هذه الطرق في القياس تتسم بالتحيز للمؤشرات الوصفية ( الصحية والتعليمية ) على حساب المؤشرات الكمية ( الدخل ) . إذ تعطي هذه الأدلة نفس الأهمية النسبية ( الترجيح المتساوي ) لكل بعد من هذه الأبعاد الثلاثة. فالمنطق يقرر أن فقر الدخل أشد وطأة من فقر المعرفة وأن فقر الصحة أشد وطأة من فقر المعرفة .

فالدخل وهو يمثل بديلاً عن كل الأبعاد غير المتضمنة في بعد التمتع بحياة مديدة وصحية وفي بعد اكتساب المعرفة ، يتطلب - كما يرى الباحث - أن يعامل معاملة إحصائية تعكس أهميته النسبية الكبرى . ومن ثم فإن الترجيح المتساوي لأبعاد غير متساوية في الأهمية ، يجعل هذه المؤشرات متحيزة . ومن ثم فهي تخفي في ثناياها حقيقة أو جوهر التنمية البشرية . ولذلك فإن دليل التنمية  البشرية قد يعكس وضعاً مطمئناً ومتفائلاً يتجاوز الواقع. كذلك فإن أدلة الأبعاد الصحية والتعليمية تخفي الجانب النوعي للرعاية الصحية والتعليمية . أي أنها لا تبين مدى جودة الخدمة الصحية والخدمة التعليمية ، فهي تركز على الجانب الكمي ، وتتغافل نسبيا عن الحانب النوعي الذي يمثل حقيقة مخرجات العملية التعليمية والعملية الصحية معاً ([18])

كما أن هذه الأدلة لا تتضمن معاملاً يربط ما بين أبعادها وبين معدل ونمط البطالة فارتفاع دليل اكتساب المعرفة ، في الوقت الذي ترتفع فيه معدلات البطالة بين المتعلمين ، إنما يمثل إهداراً للموارد والطاقات البشرية ، ومن ثم يمثل خصماً ، يجب أخذه في الحسبان ، من دليل التنمية البشرية ومن الأدلة الأخري ، وبالتالي خصماً من عملية التنمية بأبعادها الاجتماعية. 

والاقتصادية . بيد أن دليل الفقر ( 2 ) – وهو دليل يقيس مدي الحرمان بالنسبة لدول مختارة من مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – يأخذ في الحسبان معدل البطالة السافرة لمدة سنة فأكثر ، وهو ما يتم إهماله كلية في حالة البلدان المتخلفة ، ولاشك في أن هذا الإهمال يمثل معالجة مزدوجة لقضية واحدة . كما أن هذه الأدلة تفترض أن ثمة استقلالاً بين الأدلة الفرعية المكونة لكل دليل . فدليل التنمية البشرية ، على سبيل المثال ، يفترض أن كلا من دليل الصحة ودليل التعليم لا يتأثر ولا يؤثر في دليل الدخل . والحقيقة أن أن كلا من دليل الصحة ودليل التعليم يتحددان – إلى حد كبير بمستوي الدخل - بمستوي الدخل إذ يسمح مستوى الدخل المرتفع بأن يحصل الفرد وأسرته على رعاية طبية وخدمات تعليمية أكثر جودة . أن هذه الأدلة تتناول التنمية البشرية وكأنها لا تمثل جزءاً عضوياً من التنمية الشاملة universal Development. فهي تهيئ الأذهان إلى أن التنمية البشرية - بادلتها المختلفة - يمكن أن تتقدم حتى وإن كان ثمة اعوجاج في التنمية الاقتصادية ( تطوير هيكل الاقتصاد من خلال زيادة الوزن النسبي للقطاعات الاقتصادية الديناميكية ، وتحقيق الاستقلال الاقتصادي ) والاجتماعية ( تحقيق العدالة في توزيع الدخول ، ... ) . لذلك يمكن القول أن أدلة قياس الفقر والتنمية البشرية ، تتضمن رؤية تنموية معينة ترتكز على الليبرالية – وفي القلب منها الليبرالية الاقتصادية – لا على استراتيجية محددة من استراتيجيات التنمية التي تستهدف نمطاً معيناً من التطور . ومن ثم فإن هذه الأدلة تكرس لسياسات إنما معينة تتمثل في تشغيل الجهاز الاقتصادي في البلد النامي وفقاً لحاجات الاقتصاديات الرأسمالية المتطورة ، وليس وفقاً لمقتضيات تنمية وطنية متمركزة نحو الذات فالليبرالية الاقتصادية لا تتضمن في ذاتها نهجاً تنموياً معيناً ، بل هي شكل من أشكال إدارة الاقتصاد المحلي وفقاً لأولويات يحددها نمط واتجاهات التراكم في الدول الرأسمالية المتطورة ([19]).

 

فالتنمية الحقيقة ( الوطنية ) تقتضي فك الارتباط . أي إخضاع العلاقات الخارجية لمقتضيات تنمية محلية ذات مضمون شعبي ، على عكس التكيف الذي لا يعني إلا تكيف عملية الإنماء الاقتصادي للشروط التي تفرضها المنظومة الاقتصادية العالمية . وجدير بالذكر أن التغيير المستمر والتجديد في مؤشرات الفقر والتنمية البشرية إنما يعكس أمرين اثنين هما :

( أ ) عدم النجاح - حتى الآن - في ابتكار مؤشرات دقيقة وشاملة ، تسمح بقياس المستويات الحقيقية للفقر وللتنمية في كل البلدان . إذ يصطدم هذا الأمر باختلاف البلدان فيما بينها ، من حيث الأنظمة والظروف الاقتصادية ، والخصوصيات السياسية، والاجتماعية مما يجعل المؤشرات في حد ذاتها مجحفة في حق بعض الدول. هذا من جهة ؛ ومن جهة أخرى ، لا تعبر تلك المؤشرات بشكل دقيق عن مختلف مجالات التنمية وما تخلفه من انعكاس إيجابي على مجالات مباشرة من حياة الإنسان: المجال الصحي، الثقافي، السياسي. 

( ب ) التواصل الإيجابي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع الاجتهادات البحثية لتطوير مؤشرات التنمية.

- ففي سنة 1990 تبنى البرنامج مؤشر التنمية البشرية (HDI) الذي تم تطويره من قبل الخبير الاقتصادي الباكستاني محبوب الحق وعالم الاقتصاد الهندي أمارتيا صن. وهو المؤشر الذي تضمن ثلاثة عناصر جديدة إضافة إلى مؤشر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي؛ إذ يتضمن مؤشر العمر المتوقع عند الولادة، ومؤشر معرفة القراءة والكتابة بين البالغين، أي محو الأمية؛ ومؤشر مستوى التعليم، من خلال معدلات الالتحاق بالمؤسسات التعليمية.

ولاحقا أصبح مؤشر التنمية البشرية البديل (AHDI) يضم ستة متغيرات: العمر المتوقع عند الولادة، مقياس التحصيل العلمي، مقياس الحرية، مقياس تمكين النوع، مقياس عدد الحواسيب والربط بالإنترنت حسب عدد السكان، ومقياس انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون حسب الفرد، لقياس مدى الإضرار بالبيئة.

لكن يلاحظ أن المؤشرات ليست مخرجات علمية محايدة، بقدر ما تتأثر برؤية فلسفية وثقافية ؛ ففي السنوات الأولى للحديث عن التنمية كانت المؤشرات اقتصادية بشكل أساسي، لكن ستضاف إليها أبعاد إنسانية وبيئية تبعا للنقاش الفكري حول مفهوم التنمية ذاته. وهذا الأمر سينعكس على بعض المؤشرات والتي تعكس اختيارات ثقافية، وهو ما نمثل له بنموذجين(24).

في المجال الصحي : ومن بين المؤشرات المقترحة ، يتم الحديث عن معدل انتشار فيروس نقص المناعة بين الشباب. وغم خطورة الفيروس، فإن هناك أمراضاً عديدة تنتشر في العالم وتهدد سكانه بشكل فعلي ، لكن الحديث عن هذا المؤشر، قد يعكس سياقا ثقافيا أكبر، يرتبط بتقدير الغرب لأهمية الحريات الفردية والثقافة الجنسية. وهذا ما نلمسه في عمل الكثير من المنظمات الدولية والتي لا يحضر عندها مفهوم العفة كوسيلة أساسية للوقاية من المرض، مقابل تركيزها على ضرورة تملك ثقافة جنسية، واستخدام وسائل طبية للوقاية، مع ضرورة الإخلاص للشريك، وهي كلمة فضفاضة لا تشير إلى شرعية العلاقة، كما أن الشريكين قد يكونان من نفس الجنس![20]

- في مجال التكنولوجيا والابتكار: يتم قياس الابتكار من خلال براءات الاختراع الممنوحة، ومداخيل رسوم التراخيص والحقوق، وهذا أمر منطقي لا نعارضه. لكن هناك العديد من التجارب التنموية المحلية عبر العالم، والتي قام بها أفراد بسطاء من دول ما يسمى بالعالم الثالث، ورغم بساطة تلك التجارب، فإنها تقوم على حلول مبتكرة تستجيب لمشاكل متعددة ذات خصوصية محلية، وقلنا أن من واجب الإنسانية أن تتمسك بها، لأنها بحق تقدم بدائل

جديدة، سواء لأنماط العيش، أو لخلفياتها الفلسفية. بل أكثر من ذلك، إن ابتكارات العالم الثالث تعبر عن استجابات فعلية لمشاكل حقيقة في الواقع المعيش، في حين قد يقدم لنا الابتكار التكنولوجي اختراعات جديدة لكنها في مجالات غير أساسية مثل اللهو والتسلية مثلا، وفي أحيان كثيرة، يتم ابتكار الشيء دون أن تكون هناك حاجة حقيقية إليه، ليتم لاحقا ابتداع تلك الحاجة وتغذيتها فهل هناك مؤشرات عملية لقياس الابتكارات الاجتماعية ذات الخلفية الحضارية؟ .



[1]  لقراءة تفصيلية في طرق تقدير دليل التنمية البشرية ، دليل الفقر المتعدد الأبعاد .... يرجى الرجوع إلى : الأمم المتحدة ، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، تقرير التنمية البشرية ( 2007 / 2008 ) . الأمم المتحدة ، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، تقرير التنمية البشرية ( 2013 )

[2] ) د. عبد الحميد نوار ، الفقر المتعدد الأبعاد وسياسات معالجة مشاكل الحرمـان المتشابكة في الدول العربية ، سلسلة أوراق بحثية ، تقرير التنمية الإنسانية العربية ، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، المكتب الأقليمي للدول العربية ، 2014 صـ 22 وما بعدها

[3]  د . محمد عبد الله الرفاعي : معوقات بيانات قياس الفقر https://groups.google.com/forum/#!msg/favad61/TeNkziu-.

[4] د . هبة الليثي : تحديات قياس الفقر في منطقة ا ة الإسكوا . http://css.escwa.org.lb/SD/0991/studypaper1 Ar.pdf.

[5] د . محمد عبد الله الرفاعي : معوقات بيانات قياس الفقر ، https://groups.google.com/forum/#!msg/fayad61/TeNkzju

[6] د . هبة الليثي : تحديات قياس الفقر في منطقة الإسكوا . http://css.escwa.org.lb/SD/0991/studypaper1

[7] د . عبد الحميد نوار ، الفقر المتعدد الأبعاد وسياسات معالجة مشاكل الحرمان المتشابكة في الدول العربية ، سلسلة أوراق بحثية ، تقرير التنمية الإنسانية العربية ، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، المكتب الأقليمي للدول العربية ، 2014 ، صـ 22 وما بعدها

[8]  د . خليل حسن خليل ، دور رءوس الأموال الأجنبية في تنمية الاقتصاديات المتخلفة ، مع دراسة خاصة باقليم مصر ، صـ 20 .

[9] لأمم المتحدة ، البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، تقرير التنمية البشرية ( 2007 / 2008 ) ، مرجع سبق ذكره ، صـ 344 وما بعده .

[10]  د . على الجريتلي ، خمسة وعشرون عاما ، دراسة تحليلية للسياسة الاقتصادية في مصر ، 52 - 1977 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، صـ 16 .

[11] المرجع السابق مباشرة ، صـ 344 وما بعدها .

[12] د . عبد الحميد نوار ، الفقر المتعدد الأبعاد وسياسات معالجة مشاكل الحرمان المتشابكة في الدول العربية سلسلة أوراق بحثية ، تقرير التنمية الإنسانية العربية ، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، المكتب الأقليمي للدول العربية ، 2014 ، صـ 22 وما بعدها .

[13] د. محمد حامد الزهار / مشاكل اقتصادية معاصرة ، بدون ناشر ، بدون تاریخ ، صـ .139

[14] د. هبة الليثي ، تحديات قياس الفقر في منطقة الأسكوا مرجع سبق ذكره .

[15] هشام المكي ، قراءة نقدية في تقرير التنمية البشرية 2013 ، مرجع سبق ذكره

[16] د . محمود عبد الفضيل ، قراءة نقدية لتقرير التنمية الإنسانية العربية ، http://www.weghatnazar.com/article/article_details.asp?id=235 & issue_id=6

[17] حبوب الحق ، ستار الفقر ، خيارات أمام العالم الثالث ، ترجمة ، ترجمة أحمد فؤاد بلبع ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1977 ، صـ 20

[18] د . نادر فرجاني ، http://www.shabiba.com/News/Article-28804.aspx .

[19] د . سمير أمين ، مؤسسات بريتون وودز خمسون عاماً من إنشائها مجلة بحوث اقتصادية عربية ، الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية ، القاهرة ، 1995 ، صـ 37 وما بعدها

[20] ) د. عبد الحميد نوار ، الفقر المتعدد الأبعاد وسياسات معالجة مشاكل الحرمـان المتشابكة في الدول العربية ، سلسلة أوراق بحثية ، تقرير التنمية الإنسانية العربية ، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، المكتب الأقليمي للدول العربية ، 2014 صـ 22 وما بعدها. 

أعجبك المقال , قم بالان بالاشتراك في النشرة البريدية للتوصل بالمزيد

التعليقات

عن الناشر

السيد المغازي

كاتب محتوي مقالات ولدي خبرة في إعداد البحوث العلمية ورسايل الماجستير في مجالات التربوي والتاريخ والجغرافيا ومجال الادارة والاقتصاد والسياسة والقانون لدي العديد من الدول الاسيوية والأفريقية خبرة أكثر من ست سنوات .

مقالات حالية

Sports - رياضة

The importance of sport in our lives